Your Content Here
اليوم الجمعة 23 أغسطس 2019 - 2:33 صباحًا
أخر تحديث : الخميس 30 مايو 2013 - 1:36 صباحًا

والآن، هل أمسى للمغرب حزب غالب!

علي الإدريسي :

الدنيا هانية ومحمدية

إلى وقت غير بعيد كان بعض “العارفين” بأحوال المغرب الحزبية والدهاليز المؤدية إلى أقبية السلطة يعتبرون أن أكبر حزب في المغرب هو حزب “الدنيا هانية ومحمدية”. ويعبر عنه اختصارا بـعبارة “دهم” مع ما يمكن أن يشتق منها من كلمات لها معها جذر مشترك، أو لها بها علاقة جوارية. أما ما يقابل “دهم” بحروف لغة ملأ قومنا وأصحاب القرار في بلادنا فهو “DHM”. وكان هذا الحزب “العنيد” تظهر قوته في الاستحقاقات الانتخابية بامتياز، فعدد المصوتين عليه وله يقارب 80% من مجموع المسجلين في القوائم الانتخابية. في الوقت الذي تحصل فيه الأحزاب الأخرى متنابزة أو مجتمعة على بقايا أصوات الحزب العنيد.

“حركة لكل الديمقراطيين” و “20 فبراير”

تفطن البعض منذ 6 سنوات خلت إلى خطر حزب “دهم” على “مستقبل الديمقراطية” في المغرب، فأنشأ هيأة سميت يومذاك “حركة لكل الديمقراطيين”، كتمهيد لحزب يسترد الشارع ويحدّ من اكتساح حزب “دهم” حواضر المغرب وقراه وبواديه، ويحقق خطط الملأ الجديد في إدخال المغرب عصر بلاغة الشعار وحكمة التنجيد السياسي، باستعمال كيمياء جديدة لممارسة الحكم في المغرب (La nouvelle Alchimie politique au Maroc)، تلفق بين اليسار المعاصر واليمين الحداثي وأعيان قبائل المخزن بطريقة زواج المسيار. لكن 20 فبراير أفسد على المخططين حلمهم وأحبط مشروعهم، خاصة بعد التصديق على الدستور الجديد، الذي حمل إلى رئاسة الحكومة ما لم يكن له في حسابهم غير الوعيد، فضاعت من أيديهم الساحة من جديد.

في محاولة لاستعادة أمل الحركة الوليد

فكان لا بد من التفكير بعمق والعمل ببرجماتية مجنّحة في استعادة الساحة من حزب “دهم”، واسترجاع ما استحوذ على رؤيته مصباح رئيس الحكومة، قبل استفحال الأمور في الاستحقاقات المقبلة. ولذلك لجأ البحث عن آليات جديدة لا تكتفي بإحراج أعضاء الحكومة الملتحين فحسب، بل لتؤِكد أن مناصري حزب “دهم” يجب احتواؤهم بوسائل جديدة أهم وأكبر بكثير من ضوء مصباح 25 نونبر وجاذبية خطب المستوزرين والمنتظرين من حزب الميزان وما جاوره من التحالف الولهان. فانطلق العمل على استمالة شارع “دهم” وامتلاك “هديره” في الوقت المناسب، تجنبا لاحتمالات عقد استحقاقات مقبلة توفر لمصباح رئيس الحكومة طاقة تماثل أو تزيد عن قوة مصباح علاء الدين العجيب التي ربما تساعده أكثر عن إزاحة الستار عن العفاريت والتماسيح. فما هي هذه الآليات القادرة على امتلاك أنصار “دهم” والشارع العام؟

من حزب الميزان إلى حزب “موازين”

إذا فشلت محاولات إضعاف إنارة حزب المصباح، فإن أهل الحل والعقد الجدد سيلجؤون إلى حزب “موازين”، الذي يعتقدون بأنه يستطيع أن يحقق ما عجز عنه حزب الميزان ومن معه. فحزب الموازين المعضّد بوسائل الإعلام الثقيلة، وبتمويل سخي لنشر ثقافات العالم الغربي والشرقي المجسَّدة في الأغاني المسكنة لما يثور، والمهيجة للرغبات حين تبور، والمدغدغة لشهوات الجسد المقهور، الذي لم يبق له في الحياة غير الدعاء تحت الضوء الخافت لمصباح الشارع المجبور.

عرف حزب موازين من أي جانب تلين الخواطر، وتتداعى الأجساد وتنجذب النفوس إلى إيديولوجية إيقاعات العالم؛ فجيء بشكيرا وريحانّا Rihanna Fenty)) لتؤكدا أن قدرتهما على استقطاب عشرات الآلاف من المعجبين (150000 حضروا عند ريحانا وحدها) لا تستطيع الأحزاب مجتمعة جمعها في أي موسم شعبوي انتخابي. وتميزت خطب (أغاني) حزب موازين بممارساتها الحداثية. ووصلت هذه الحداثة إحدى قممها في دورة سابقة مع “جون إلتون”، لكنها وصلت الذروة هذه السنة 2013 في الدورة الثانية عشرة مع جيسي جي jessie j وهي تقدم على الركح عرضا للحداثة في مغرب “يفخر” مسيروه بترتيبه في القمة السفلى لسلم التنمية البشرية العالمي. برعت جيسي جي في استعمال وسائل توضيحية لكسب الأنصار والمتعاطفين وكذا المعارضين من خلال لباسها الحداثي جدا وحلاقة رأسها المتمردة على اختصاص بعض مشاهير الكرة، والمتضامنة مع بعض النساء من العقيدة الموسوية المسكونة بشعور ظلم التاريخ لليهود. إضافة إلى ما يمكن أن يسهم مظهرها من تقديم وصفة ناجعة لمريدي موازين وأنصاره كيفية مواجهة ومحاربة “الظلاميين”.

والواقع أن “زعماء” أحزاب مغربية لهم باع طويل في ممارسة تعرية مستواهم الفكري والسياسي، وتعرية بعضهم البعض. ولذلك لم يكن مهرجان حزب موازين شاذا في إدراج العري في برنامج مهرجانه. وقد نستنتج أن شعورا بنشوة نجاح انتاب مخططي المهرجان خططهم بتمن خلال اكتساح شبابي للساحات المعدة لأنشطة المهرجان، قل نظيره في القرن الواحد والعشرين، إلا في ميدان التحرير بالقاهرة أيام حركة شباب يناير 2011، فهل يمكن القول: إن أصحاب موازين حققوا أخيرا بغيتهم بتكوين الحزب الغالب في المغرب، بعد إخفاق حزب حركة لكل الديمقراطيين، وأنهم انتقموا من زمن 20 فبراير، كما أنهم استطاعوا سحب البساط من تحت حزب “دهم”، وأنهم أضعفوا بالتالي قوة وطاقة مصباح من أخذ منهم رئاسة الحكومة في زمن غفلة الشعب عن ملذات التعري؟

من حق الحداثيين الإلتونيين (نسبة إلى إلتون) والجيسيين (نسبة إلى جيسي جي) أن يتباهوا بجلب عشرات الآلاف من الشابات والشباب إلى مهرجان موازين قصد إقناعهم بنوع خاص ومخصوص بـ”ثقافة التسامح”، وبأن نجم “الظلاميين” في أفول، وأن مستقبل الحداثة مضمون بتأويل ديمقراطي لدستور 2011 أو بدونه.

حين تسود الذاكرة ثقوب، وتتضبب الرؤية فيتوه أهلها في التصدي للطواحين، وتعلق أكاليل النصر في أعناق المطربين على منصات المهرجانات بصفتهم مروجين لمشروع سياسي حداثي، فابشر بإحياء زمن بن علي في تونس، ذي الـ540 مهرجان في السنة؛ هذا الزمن الذي انهار أمام حركة تاريخ الشعب التونسي. وابشر كذلك بتجديد تعليمات القذافي لـ”شعبه”: “هيصوا أرقصوا وغنوا”، التي لم تصمد مع إرادة الشباب في استرداد حريتهم وتحقيق العدالة والكرامة في وطنهم، بصفتها الكيمياء الحقيقية للمواطنة. أما ما دون ذلك فتذروه رياح التغيير المنبعثة من عمق الشعب والوطن ومن مكر التاريخ.
وقد قيل من يتخلف عن فهم وجهة التاريخ تأخر به زمانه وذهل عن مقاصد السياسة المدنية.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.