اليوم الجمعة 24 أكتوبر 2014 - 11:59 صباحًا
شريط الأخبار
رياح شتوية تعصف بشباب الريف الحسيمي… فمن يتحمل المسؤولية؟      طائرات تهريب الحشيش من الشمال المغربي ، عمليات خارج مراقبة الرادارات المغربية      مرة أخرى ، الأرض تهتز بالحسيمة صبيحة اليوم بقوة 3.1 على سلم ريشتر      شباب الريف الحسمي يخسر الرهان على كأس العرش بعد مستوى باهت أمام نهضة بركان      وزارة الداخلية تتجه لفرض شهادة الباكالوريا كشرط أساسي لرئاسة المجالس المنتخبة      شاب يعترض طريق موظفة بإعدادية عقبة بن نافع بأيث بوعياش و يطعنها بالسلاح الأبيض      العودة لتوقيت غرينيتش بالمغرب يوم الأحد المقبل      في بيان لها ، الحركة من أجل الحكم الذاتي للريف تعلن تشكيل لجان تنظيمية جديدة و تهيء لعقد مؤتمرها التأسيسي      تلاميذ بثانوية الريف التأهيلية يحتجون على إدارة مؤسستهم و الأخيرة تتهمهم بعرقلة الدراسة      رسميا خليج الحسيمة يحصل على عضوية كاملة بنادي أجمل خلجان العالم     
أخر تحديث : السبت 20 أبريل 2013 - 3:50 صباحًا

لكي لا ننسى بوجمعة الهباز

وكيم الزياني :

   يوم 19 أبريل 2013 ستكون قد مرت 32 سنة على اختفاء واختطاف قيدوم المفكريين الأمازيغيين بوجمعة الهباز الذي لم تظهر حقيقته منذ سنة 1981، هذا المفكر الذي أدى ضريبة على أفكاره التحررية في زمن كان يتقن فيه المخزن سوى لغة الرصاص بالاغتيالات والاختطافات والاعتقالات التعسفية، ذهب في السنين الذي برز فيه الوعي السياسي الأمازيغي على مستوى شمال إفريقيا عامة وبالخصوص في المغرب والجزائر الذي سيتزامن مع الربيع الأمازيغي “ثافسوث إمازيغن” التي إنطلقت شرارتها من منطقة القبائل “تيزي وزو” الجزائرية يوم 20 أبريل 1980، بوجمعة الهباز الذي سمي في الإحدى الكتابات ب “المختطف بدون عنوان” ما زالت حقيقته لم يظهر لحد الآن، رغم الشعرات التي يهلل بها النظام المخزني المغربي من قبيل ” الإنصاف والمصالحة” و “حقوق الإنسان” وبالرغم من ورود اسمه ضمن لوائح المختطفين المجهولين المصير لدى (المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان) التي قدمت ل (هيئة الإنصاف والمصالحة) لكن هذه الأخيرة أنهت أشغالها وقدمت تقريرها النهائي السلطات العليا في يناير 2004 بدون الكشف عن حقيقة ملفات الحقوقية العالقة  الخاصة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من بينها ملف المفكر بوجمعة الهباز ثم ملف عريس الشهداء عباس لمسعدي والمختطف آخر المجهول المصير حدو أقشيش وغيرها من الملفات التي ما زالت حقيقتها غائبة.

 

  هكذا إخترنا في هذه المقالة المتواضعة أن نعرف هذه الشخصية الأمازيغية التي لم يقال عنها الكثير إلا بعض الكتيبات الصغيرة وبعض المقالات المتواضعة التي لم تذهب للوقوف إلى أطروحته وتحليله مضامينها واستنباط معانيها، ناسين ومتناسين فكر هذا الرجل ونظريه “الثلث الأسطوري” التي اعتبرت كأرضية لثورة ثقافية في المغرب ولقلب موازين القوى على مستوى العالمي، إذن من يكون بوجمعة الهباز؟ وما الأسباب والتداعيات التي أدت إلى اختطافه وتصفيته؟ وما الخطر الذي كان يشكل على الدولة المخزنية حتى يختطف؟ وأين حقيقة ملف الكشف عن مصيره؟

 

   يشير سعيد باجي في كتابه “المختطف بدون عنوان” أن بوجمعة الهباز ينحذر من منطقة ورزازات الذي عرف مسقط رأسه في قرية “بوتازولت” سنة 1943، حيث تابع تعليمه غي المرحلة الابتدائية لينتقل في المرحلة الثانوية إلى ثانوية محمد الخامس بمراكش قبل أن يلتحق بعد ذلك بمدرسة تكوين المعلمين بنفس المدينة سنة 1961 والتي تخرج منها كمعلم للغة الفرنسية ليعين بمنطقة “إيمي ن تانوت” وكان من زملائه في مركز التكوين مفكر القضية علي صدقي أزايكو وأخرون (أحمد توفيق، عبد الله بونفرو…) وكان مدير المركز أنذاك هو عبد السلام ياسين (الأب الروحي للعدل والإحسان)، انتقل بوجمعة الهباز بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1965 حيث حصل على الإجازة في اللغة الفرنسية، وفي سنه 1973 سيستفيد من منحة دراسية بجامعة السوربون الفرنسية، الذي سينجز فيها أطروحته لنيل دكتوراه السلك الثالث في وحدة اللسانيات العامة والتطبيقية في موضوع: “مقولة الجهة في الأمازيغية تاشلحيت المغرب منطقة إيمني (مراكش-ورزازات)” سنة 1979 تحت إشراف الباحثة الفرنسية “دونيز فرانسوا”.

 

  عند انتهاء دراسته سيعود الهباز إلى أرض الوطن ليشتغل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط كأستاذ محاضر، إلا أننا نجد في هذه المسألة  مواقف متضاربة حيث هناك من يقول أن الهباز اشتغل أستاذا محاضرا وهناك من يفند هذه المسألة، حيث يذهب الأستاذ إبراهيم أخياط في كتابه “رجالات العمل الأمازيغي” (2004) “أنه بعد رجوعه -أي الهباز- من فرسنا بدأ في ترتيب أموره ليعمل كموظف في إحدى المؤسسات اللغوية بالرباط باعتباره متخصصا في اللسانيات في انتظار أن يتمكن من الحصول على كرسي جامعي، ولم تمضي على هذه الوضعية أيام وقبل أن يلتحق بعمله حتى أتي خبر فقدانه”، غير أن ما يؤكد أن بوجمعة الهباز عمل أستاذا محاضرا هي الوثائق الثبوتية الشخصية لدى عائلته التي تثبت “أن الهباز قام بتجديد بطاقة تعريفه الوطنية بتاريخ 25 يوليوز 1980 التي تحمل مهنة أستاذ محاضر بعد أن عين بهذه الصفة في 21 يناير 1980 من قبل وزارة التربية الوطنية وتكوين الأطر” جريدة تاويزا العدد 143 – 2008.

 

  ساهم بوجمعة الهباز في تأسيس مجموعة من الإطارات الجمعوية الأمازيغية من ضمنها الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي سنة 1967 كما ساهم في تأطير مجموعة من الندوات والأنشطة على مستوى الوطني، حيث يشير سعيد باجي أنه أشرف على إعداد المائدة المستديرة الخاصة باللغة في إطار الدورة الأولى للجامعة الصيفية بأكادير في غشت 1980 التي اختار لها عنوان “المقاربة النقدية للأشرطة المصورة المقدمة لشباب العالم الثالث” لكن لظروف شخصية لم يتمكن المشاركة في هذه الدورة العلمية.

 

   أسس الهباز أفكاره العلمية التقدمية سواء المتعلقة بمضمون أطروحته أو باقي كتاباته بأفكار اعتبرت محرمة في ذلك الرمان الذي عاش فيه وبالأحرى الأفكار التي تخص الفكر الاشتراكي الماركسي  الذي كان بوجمعة الهباز متشبع به والذي من خلاله سيبني أفكاره وذلك على خلفيات ثقافية واجتماعية وإيديولوجية وبنيوية فوقية، لكن الاختلاف الذي كان بين الهباز وبعض الماركسيين المغاربة هو أن الهباز كان ينطلق من بنيات الواقع ليلامس ما هو نظري، حيث يعي أن دراسة السلوك والفعل في الواقع هو ما سيجعلنا نصل إلى فهم طبيعة البنيات وخصائصها وليس العكس وأن تصوراتنا القبلية يجب أن تبق فرضيات للعمل لا أكثر وأن لا تتحول إلى حقائق قاطعة دون التدليل على ذلك بتحليل الواقع المعاش وليس المفترض ، عكس بعض الماركسيين الذين يقومن باسقاط نظريات جاهزة على الواقع المغربي ناسين ومتناسين أن ماركس قال “يجب أن يتطابق الفكر بالممارسة”، حيث يقول الهباز في بعض مقولاته “على الباحث المحلي أن يتحمل مسؤولية وواجب إعادة التفكير في النظريات اللسانية وإزاحتها عن المركز وقلب هذه النظريات وخلفيتها الإيديولوجية الموروثة من النحويين الاستعماريين ومعالجة اختلافه في اتجاه النضال من أجل التحرر الوطني الثقافي والإيديولوجي للجماهير الشعبية”   لهذا لخل في جدال علمي مع ثلة من المستمزغين الفرنسيين خصوصا أولئك الذين عملوا مع إدارة الحماية الفرنسية في المغرب من بينهم “أندريه باصي” الذي قال أن “الأمازيغية لم تنتج قط لغة الحضارة” ولهذا ذهب الهباز إلى القول أن “اللغة ليست وسيلة للتواصل، إنها كذلك وسيلة لأدلجة الطبقات والشعوب والاثنيات والأمة” كما قال “تعد معرفة لغة المستعمر من بين الأسلحة الناجحة التي يستعملها المستعمر، معرفة لغة الآخر تعني امتلاكه ثم مثاقفته ونكرانه لغته وفرض لغة أخرى له، وهذه الظاهرة اللغوية تسمى الابتلاع” وأن “اللغة تصلح للهيمنة الإيديولوجية من أجل استغلال الإنسان للإنسان كما تصلح للتحرر الإيديولوجي من أجل ألا يستغل الإنسان إنسانا آخر”.

 

فمن يطلع على فكر الهباز وأطروحته يمكن أن يلامس الحمولة السياسية التي تحملها، الذي حاول من خلال تحليله قلب موازين تقسيم العالم عندما أبدع نظرية “الثلث الأسطوري” حيث يرى أن العالم الثالث تسمية خاطئة لما يسمى بدول عدم الانحياز، لهذا فضل تسميها ب مفهوم “الثلث الأسطوري” لأن العالم الثالث لا وجود له في الواقع بل جعلوا منه لأسطورة حقيقية، يدعي حكام دول عدم الانحياز أنهم يتبعون خلا ثالثا ليس رأسماليا ولا شيوعيا، في حين أن هذا الحل لم يورد تاريخيا في القرن 20. لا خيار لدول عدم الانحياز سوى حل واحد، إما اتباع الاشتراكية مع تكييفها مع الوضعيات الخاصة والتخلي عن الرأسمالية، وبالتالي اتباع الحل الثالث (لا رأسمالية ولا شيوعية) يعني خلق أسطورة تخفي الصراع بين الرأسمالية والشيوعية في بلدان “الثلث الأسطوري” والذي هو قدرة هذه البلدان. (مقدمة الأطروحة بوجمعة الهباز)

 

   هكذا كانت أطروحته تحمل كثيرا من الحقائق التاريخية والسوسيولوجية المثيرة، وكذا دحضه لأفكار المستمزغين الفرنسيين الذين قاموا بدراسات على المغرب في فترة الحماية، كما تناول الجانب المسكوت عنه في الأمازيغية من منطلق اللسانيات إلى درجة أن هذه الأطروحة اعتبرت كأرضية سياسية يمكن أن توقد لثورة ثقافية في المغرب، وبالتالي ضرب له المخزن والفرنسيين ألف حساب وحساب لينتهي به المطاف إلى اختطافه سنة 1981، حيث يروي صديقه عبد الرحيم المهتدي (صحفي بالتلفزة المغربية طرد من عمله لعلاقته بالهباز) كان أخر من رآه،  “أنه اختطف من المخابرات المغربية من شقته بحي أكدال الراقي من الرباط”، كما يحكي الممرضين العاملين بمستشفى ابن سينا بالرباط سبق لهم في إحدى شهاداتهم ل “هيئة الإنصاف والمصالحة” أن الهباز سبق له أدخلوه إلى نفس المستشفى وهو مكسور العظام ومطلي بالدماء.

 

   نحن في زمن نسمع طيلة ليل نهار ب “دولة الحق والقانون” “الانتقال الديمقراطي” “الإنصاف والمصالحة” “العهد الجديد” و”حقوق الإنسان” لكن عندما نأتي لنعرف صحة هذه الشعارات نجد أنها مجرد مكياج سياسي للاستهلاك الخارجي ليس إلا، وهذا المثال الذي نحن بصدده لخير دليل على ما نقول، فلا إنصاف ولا مصالحة تم مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان لأن هذه العملية مشروطة بمعرفة الحقيقة أولا ومحاسبة الجلاد ثانيا وتعويض المعني ثالثا إذن أين نحن من هذا؟ وأين وصل ملف هذا المختطف إذا كانت هنالك مجالس تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان بالفعل؟

 

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

الرجاء من السادة القراء ومتصفحي موقع الريف الحر الإلتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم، وتجنب الشخصنة و إستعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الإحترام بين الجميع . ونحيطكم علما أن جميع التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية عليها، ولا يتحمل مسؤولية ما يُنشر نقلًا عن مواقع أخرى أو بركن آراء حرة.